خطاب مفتوح إلى دولة رئيس الوزراء {حفظه الله ورعاه}

.

المقاله تحت باب  في السياسة
في 
04/11/2011 06:00 AM
GMT



دولة رئيس وزراء جمهورية العراق، عفواً، أقصد (رئيس مجلس الوزراء). في اللحظة التي أكتب فيها، نسيتُ هذا التفريق الدستوري، ونحن لا نملك ثقافة دستورية، على نحو ما تعلم، لم نعرف سابقاً سوى (الرئيس)، من دون التمييزات التي قدّمها العراقُ الجديد، هذا فضلاً عن أننا نشعر أنك الرئيس بحق، رئيس كل شيء، الوزراء ومجلسهم، العراق وشعبه وطوائفه وقومياته، رئيس الأرض، والهواء، والأنفاس.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. كدتُ أكتب (تحية طيبة)، أو (أُسعدتَ صباحاً)، أو (طاب يومُك)، غير أنني تقصّدتُ أن أحييك بتحية هي واحدة من أعظم ما خلّف لنا الإسلامُ من تراث، تحية السلام والرحمة، وأنا أعلم أنك انخرطتَ، منذ عقود، في الحركة التي تنتسب إلى الإسلام، على الرغم من أن أجواءنا اليوم أبعد ما تكون عن هذين المعنيين. أجواؤنا مليئة بالانتقام، والحرب، والسلاح، وإن الأرواح التي أُزهقت في السنوات التسع الماضية إنما أُزهقت في بلاد لا شيء فيها أكثر من تحية (السلام عليكم). هذه التحية فُرِّغت من مضمونها، وأصبحنا نردّدها كالببغاء، من دون أن نتحسس حروفَها ومعناها العظيم.

أريد، في البدء، أن أحيّي وطنيتَك العظيمة، خطاباً وسلوكاً، قولاً وفعلاً، وأنت تذود عن وحدة العراق وتماسك لحمته ونسيجه. وهذا هو عهدُنا بك، ولذلك، انتخبناك.

لقد دأبتَ على أن تذكرنا، دائماً، بأن أكثر من ستمئة ألف عراقية وعراقي انتخبوك، في بغداد وحدها. صحيح أنك أحد أمراء الهويات، في حرب هويات، وهذا هو السياق التأريخي الذي انتُخِبتَ فيه، وصحيح أن الأكراد لم ينتخبوك، والسنّة لم ينتخبوك، وكذلك التركمان، والمسيحيون، والأيزيديون، والصابئة، وجزء مهم من الشيعة، غير أنك ـ مع ذلك ـ الزعيم الوطني الأوحد للعراقيين، سائر العراقيين.

وهل هناك دليل على وطنيتك أكثر من مواجهتك الحازمة للطلب الذي قدّمه أكثر من ثلثي أعضاء مجلس محافظة صلاح الدين (وهم منتَخَبون، من أبناء محافظتهم، انتخاباً عاماً ومباشراً في انتخابات ثمة قبول عام بنزاهتها) بأن تكون إقليماً.

ما هذه المحافظة الخرقاء حتى تكون إقليماً؟ إنها تريد أن تنسف وحدة البلاد. ولكن، هيهات، وأنت حاميها. صحيح أنك لم تقم بأي شيء لكي تمنع الاعتداءات المسلحة والمتكررة التي تقوم بها الجارتان، تركيا وإيران، على أراض عراقية ومدنيين عراقيين، صحيح أنك لم تحمِ الحدود، صحيح أن جزءاً من مفاوضات ائتلافك الانتخابي جرت بمبادرة ورعاية من الجارة إيران، صحيح أنك تخفي في أدراجك تقريرَ اللجنة الفنية التي زارت الكويت لتقدير أضرار إنشاء ميناء مبارك الكبير على المصلحة الوطنية، ولم يعرف العراقيون أي شيء عن الموضوع، صحيح، وصحيح، وصحيح، عشرات الأمور التي يظن الجهلةُ أنها تثلب وطنيتَك، ولكن هذه كلها أمور تافهة، صغيرة. الخطر الحقيقي على العراق، أرضاً، وشعباً، ووطناً، هو إقليم صلاح الدين. وأنت الوحيد الذي يميز بين الأمور التافهة والأمور العظيمة، ولا تليق بك إلا الأمور العظيمة. حاشاك من توافه الأمور.

إقليم صلاح الدين يهدِّد كلَّ شيء. لا تسمع للمنظّرين، والباحثين، وأدعياء الفكر، الذين يدّعون أن الفيدرالية هي حل للمجتمعات المنقسمة، التعددية، كالعراق، وأنها تسمح لأبناء المجتمعات المحلية بإدارة شؤونهم وتقريرها، وأن وحدة البلاد لا تتأتي ـ بالضرورة ـ من المركز، بل من خلال أقاليم قوية.

هيهات، الخطرُ الحقيقي هو أن تخرج أيةُ محافظة على السلطة الحديدية للمركز، وألّا يتحكم المركزُ برقاب الناس ومصائرهم. الويل والثبور لمن يريد أن يخرج عن سلطتك المركزية.

لا تثق بمَن يقول إن الفيدرالية ليست ترفاً، وإنها ـ في العادة ـ تأتي في سياق أزمة. إنهم يريدون أن يبرروا الدعوة إلى إقليم صلاح الدين، التي تأتي في سياق أزمات متصاعدة مع المركز. إنهم يقولون: إذا لم تنمُ الفكرةُ الفيدرالية في مثل هذه الأزمة، فمتى تنمو إذن؟ في لحظة استرخاء مثالية، لا نعرف متى سنصل إليها؟ وما حاجتنا إلى الفيدرالية، إذن، إذا وصلنا إلى مثل هذه اللحظة؟ ثق بالحسّ الفطري، الذي نجد عليه جداتنا. قبل أيام، كنتُ أستمع إليك، كأنني كنتُ أستمع إلى جدّتي ودفئها، وهي التي ـ بالكاد ـ تعلّمت القراءةَ والكتابة في كتاتيب النجف في الربع الأول من القرن العشرين. ثق بالثقافة الشعبية، التي تقول إن الفيدرالية تقسيم، ومشروع انفصال، وهي مشكلة، وليست حلّاً. لا يخدعنّك المنظّرون، حين يضربون أمثلة بالولايات المتحدة، وسويسرا، وألمانيا، وما إلى ذلك من تجارب. هناك اختلاف ثقافي حاسم، فنحن لا نُحكَم إلا بسلطة مركزية حديدية، بدءاً بالحجّاج، وانتهاء بصدّام حسين، وبك. لا يتصور العراقيون أنهم يستحقون حياة كريمة ونظاماً سياسياً عادلاً، كالذي يعيشه البشر. هيهات، وهيهات.

لا تثق بمَن يقول إن حل الصراع في البلاد يتحقق بدمج الفرقاء في مؤسسة سلطة واحدة، وتقريبهم، وامتصاص شعورهم بالتهميش. لا، الحل هو مزيد من الصراع، مزيد من الاجتثاث، مزيد من العداء، مزيد من الخنادق. إنها حرب، يا دولة رئيس الوزراء، وينبغي أن نخوضها بما تيسّر من دماء وأرواح.

نعم، إن الغاية من إقليم صلاح الدين هو أن يكون مأوى للبعثيين. لقد حللتَ وأصبتَ. ربما لم تكن موفّقاً في مسألة صغيرة واحدة، حين قلت إن الدليل على ذلك هو الإصرار على (صلاح الدين)، دون ذاتها، حين يحاول السنّة تبني الفكرة الفيدرالية، وأنها ظلت آمنة لسنين بسبب ذلك. يبدو أنك لم تسمع بمشروع إقليم الأنبار، ولا سمعتَ بالهجوم الإرهابي على مجلس محافظة صلاح الدين، الذي راح ضحيتَه عشراتُ الأبرياء. أنا أقدّر أن مهماتك العظيمة لا تسمح لك بمتابعة هذه الترّهات. نعم، يُراد من مشروع إقليم صلاح الدين أن يكون مأوى للبعثيين، حتى وإن كان رئيس مجلس المحافظة بالوكالة، الذي أعلن الطلب، في ذلك المؤتمر الصحفي، الذي سيغدو شهيراً، بكل تأكيد، هو صديقي سبهان ملا جياد، الشيوعي السابق، الذي اعتُقِل لسنوات طويلة في سجون صدّام (وهو شرف لم تنله، فقد حماك أبناءُ عمك البعثيون، في حين لم يكن ثمة مَن يحمي سبهان، وهو ابن المحافظة التي منها حكّام العراق)، واعتُقلت زوجته معه، وهي حامل، ووُلِد ابنُه في سجون النظام، سبهان، الشيوعي السابق، الذي يفكّر الآن بطريقة ليبرالية، كان أحد أكثر الحالمين بعراق حر، يتخلص من استبداد البعث وطغيانه. ومع ذلك، إنه ابن محافظة صلاح الدين. وهذا يعني، بمنطق أرسطي بسيط، أنه بعثي. إنهم بعثيون بالفطرة، يا دولة رئيس الوزراء، جيناتُهم بعثية، يرضعون الانتماءَ للبعث من أيامهم الأولى. ولا تنسَ، أبداً، أنها المحافظة التي أنجبت الطاغية، صدّام حسين. عليك بها. علينا أن نعاقبها على هذا الخطأ التأريخي. حاربهم، اجتثهم، اقطع أرزاقهم، امنع عنهم الهواءَ والماء، قاتلهم إلى الجيل العاشر، والحادي عشر، والثاني عشر، اقتل حتى رضّعَهم وحواملهم. ليس فيهم بريء.

الأكثر أهمية من كل ذلك، يا دولةَ رئيس الوزراء، هو أنك أدركتَ روح الشرائع (اسمح لي أن أستعمل، هنا، تعبيراً أقتبسه من فيلسوف فرنسي من فلاسفة القرن الثامن عشر، اسمه مونتيسيكيو، يوصَف ـ في كتابات المنظّرين العملاء ـ بأنه أول مَن اكتملت لديه نظريةُ الفصل بين السلطات الثلاث، وهو ـ أدرك جيداً ـ ما لا تؤمن به. ولكن، لعلّي ألقى مونتيسيكيو في الآخرة، لأعتذر منه على أنني استعملتُ أفكارَه في اتجاه معاكِس تماماً).

استمعتُ إليك وأنت تتحدث عن آليات تكوين الأقاليم. صحيح أن حديثك كان يخالف الدستور، وأنت من كَتَبَته (هل كنتَ، فعلاً، عضواً في لجنة كتابة الدستور؟ أم كنتَ مجرد عضو شرفي أو اسمي؟ ألم تقرأ الدستور يا حامي الدستور؟)، وأنك توهمتَ أن من صلاحيات مجلس الوزراء أو مجلس النواب قبول أو رفض طلب محافظة ما بأن تكون إقليماً، وهو ما يخالف فلسفةَ إنشاء الأقاليم، إذ كيف يمكن لابن البصرة، أو كربلاء، أو نينوى، أو أربيل، أو مَن يمثلهم في الحكومة أو البرلمان، أن يحدّدوا كيف يعيش أبناءُ صلاح الدين. هذا هو قرارُ المجتمع المحلي، وليس ثمة أية مؤسسة لها الحق في أن تفرض على هذا المجتمع ما لا يريده. صحيح أنك نسيتَ أن دور مجلس الوزراء هو مجرد دور تنفيذي، يقوم بتمرير الطلب إلى مفوضية الانتخابات، لتتولى تنظيم استفتاء على الطلب بين أبناء المحافظة. صحيح كل ذلك، يا دولة رئيس الوزراء، ولكن الصحيح أيضاً ـ والأهم ـ هو أنك أدركتَ أن القانون هو القوّة. القانون ليس نصّاً، ولا عقداً، ولا وثيقة سياسية. القانون تفرضه القوة، وهي ـ هنا ـ قوة الزعيم، أو الأمير، بتعبير ماكيافيللي.

طبعاً، أنا لا أقصد ـ هنا ـ الإشارة إلى النظريات الشائعة في فلسفة القانون، التي تقول إن القوانين تُكتَب في، وبحسب، توازنات قوى معينة، وهو ما حدث في دستور العراق الدائم لسنة 2005، بل أقصد أن القانون ليس ذا قيمة من حيث هو نص، بل المهم هو وجود قوة، تقرّر وتفعل ما تشاء. هذه القوة هي ناظم المجتمع، يسير، ويحيا، ويتنفس، من خلالها.

إن وجود نص قانوني أو دستوري لا يعني شيئاً. أنا أعلم أن المحكمة الاتحادية ستبرر لك كلَّ شيء، ستزودك بالقرارات التي تخالف الدستور، وعلى مزاجك، طالما أنك أهنتَ القضاء في العراق إهانة أظن أن الدولة العراقية الحديثة لم تشهد مثلها، حين حوّلتَه إلى قضاء تحت الطلب، شرطياً يقف ببابك، يذود عنك، وينفّذ لك ما تريد.نعم، يا دولة رئيس الوزراء، القانون هو القوة.

هذا المعنى أدركه سلفُك، صدّام حسين، حين قال جملتَه الشهيرة، في إحدى لحظات تجلياته: القانون سطر، نحن نكتبه، ونحن نمحوه.